Saturday March 21st, 2026
Download The SceneNow App
Copied

لحظة توقّف فيها التاريخ.. تفاصيل آخر حفلة لـ فيروز خارج لبنان

لم تكن تلك أمسية غنائية عادية، بل لحظة شعر فيها الحضور أن زمنًا كاملًا على وشك أن يقلب صفحة مهمة بهدوء… في قلب أوروبا.

Mohamed Adel
لحظة توقّف فيها التاريخ.. تفاصيل آخر حفلة لـ فيروز خارج لبنان


سهل أن نرى حفلًا لفنان نفدت تذاكره بالكامل قبل موعده بأسابيع، بل وأشهر أحيانًا.. اعتدنا في السنوات الأخيرة على أخبار من هذا النوع، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بفنانين أجانب تُباع تذاكر حفلاتهم في مصر أو في الشرق الأوسط خلال ساعات.. أصبح الأمر أشبه بسباق أرقام، وقياسًا لحجم الشعبية على منصات البيع.

لكن الأصعب فعلًا أن تُباع تذاكر حفل لفنان عربي بالكامل في بلد أوروبي، أمام جمهور لا يتحدث لغته، ولم يكبر على صوته، ومع ذلك يختار أن يكون حاضرًا في أقل من ساعة.

ربما حدث هذا من قبل مع أم كلثوم، حين كانت مكانتها تسبقها إلى العواصم العالمية، لكن ما بدا مختلفًا هذه المرة أن يُعلَن عن حفل لفنانة عربية في أوروبا بعد محاولة إقامة حفلة لها على مدار ست سنوات، ويُفهم ضمنًا أن هذه قد تكون الأخيرة خارج موطنها، فيأتيها جمهور من كل أنحاء العالم، باختلاف جنسياتهم ولغاتهم، لا ليشهد عرضًا موسيقيًا فحسب، بل ليحضر لحظة تاريخية.


لم يكن الأمر مجرد أمسية غنائية، بل أشبه بإعلان هادئ عن وجود فصل كامل من تاريخ الموسيقى على وشك التوقف. قصص حب وعتاب، حكايات عن الحرب والحنين، وصوت صباحي رافق البيوت العربية لعقود… كل ذلك كان ينتظره الجمهور.. الصدمة لم تكن في إقامة الحفل، بل في الإحساس بأن الزمن نفسه يتهيأ للانحناء.

نُهاد حداد، المعروفة باسم فيروز، لم تكن مجرد مطربة تصعد إلى المسرح. كانت ذاكرة جمعية، وملامح مرحلة كاملة من الوجدان العربي. لذلك حين أُعلن عن مشاركتها في يونيو 2011 ضمن فعاليات مهرجان هولندا للفنون في أمستردام، وعلى خشبة مسرح Carré، لم يُستقبل الخبر كخبر فني عابر، بل كموعد مع لحظة قد لا تتكرر.

المكان: أمستردام، عاصمة هولندا.
الزمان: يونيو 2011.
الحدث: ملاك لبنان يحل ضيفًا على مدينة أوروبية، للمرة الأولى هناك، بعد جولات عربية وأوروبية وأمريكية طويلة… وكأن الرحلة كلها كانت تقود إلى هذه الوقفة أمام جمهور يعرف أنه لا يحضر حفلًا فقط، بل يُرحّب بزمن كامل بصوتٍ واحد.

في يونيو 2011 لم تكن أمستردام تعرف أنها على موعد مع ذاكرة، لا مع حفلة.. المدينة التي تعوّدت أن تستقبل العروض العالمية كجزء من روتينها الثقافي، وجدت نفسها أمام اسم لا يشبه الأسماء.. حين أعلن مهرجان هولندا للفنون عن مشاركة فيروز، لم يكن الأمر حدثًا عابرًا في برنامج فني مزدحم، بل بدا كأنه إشعار خافت بأن زمنًا ما يقترب من حافته.. التذاكر نفدت بسرعة لا تليق بحفلة تقليدية؛ كان هناك شعور بأن من يتأخر سيخسر أكثر من مقعد، بل سيخسر لحظة قد لا تتكرر.

مسرح كاريه، المطل على نهر أمستل، بدا في تلك الليلة أقدم مما هو عليه، كأن جدرانه تعرف أنها ستحتفظ بصوت لن يمر بها كثيرًا.

في الخارج، كانت المدينة تمارس برودها الأوروبي المعتاد؛ دراجات تعبر، مقاهٍ مضاءة، سياح يلتقطون صورًا لا يعرفون أن على بُعد أمتار قليلة تُكتب حكاية أخرى، لكن داخل القاعة كان الهواء أثقل، ليس بالحزن، بل بالوعي. وعي أن الصوت الذي سيصعد بعد دقائق ليس مجرد مطربة عربية جاءت لتغني، بل تاريخ كامل يتحرك ببطء نحو الضوء.


لم يكن هناك بهرجة، لا شاشات عملاقة ولا مؤثرات تصرخ لجذب الانتباه. الأوركسترا أخذت أماكنها بهدوء، وزياد الرحباني يقود الموسيقيين بتركيز يعرف أن التفاصيل الصغيرة في هذه الليلة ستبقى عالقة في الذاكرة أكثر من أي استعراض.

حين انطفأت الأنوار لم ينفجر التصفيق كما يحدث عادة؛ كان هناك تصفيق طويل لكنه مهيب، يشبه استقبال فكرة أكثر من استقبال نجمة.. ثم ظهرت فيروز، بهدوئها الذي لا يحتاج إلى تعريف، كأنها لا تدخل المسرح بل تدخل إلى مساحة كانت تنتظرها منذ زمن.

الصوت حين بدأ لم يكن صدمة، بل كان عودة! عودة إلى صباحات بعيدة، إلى مدن كانت أقل قسوة، إلى حب لم يتعلم بعد كيف يخاف.. لم تكن الأغاني مجرد قائمة معروفة؛ كانت طبقات من الذاكرة تتكشف واحدة تلو الأخرى.

في عام كان الشرق الأوسط يدخل فيه مرحلة جديدة من الاضطراب، كانت هي تقف في قلب أوروبا وتغني عن مدن تُحب رغم كل شيء، عن أمهات ينتظرن، وعن شوارع تحفظ أسماء العابرين.. المفارقة أن القاعة امتلأت بجنسيات لا تشترك في اللغة، لكن الصمت بين الأغاني كان دليلًا على فهم لا يحتاج ترجمة.

كان واضحًا أن هذا ليس مجرد مرور آخر في جولة، بل محطة ثقيلة في سيرة فنية امتدت لعقود.. الصوت لم يكن يحاول أن يثبت شيئًا؛ لم يكن هناك تحدٍ للعمر ولا استعراض لقوة، كان هناك صفاء غريب، كأن الغناء نفسه أصبح أخف، أكثر تجردًا، أقرب إلى صلاة منه إلى عرض.

ومع كل أغنية كان الشعور يتراكم بأن هذه اللحظة أكبر من المكان.. أمستردام، التي لا تتكلم العربية، تحولت لساعات إلى مدينة تعرف جيدًا معنى الحنين الشرقي.. المسرح الأوروبي العريق احتوى موسيقى نشأت في جبال لبنان واستوديوهات بيروت ومسارحها، وبدلًا من أن تبدو غريبة، بدت وكأنها وجدت بيتًا مؤقتًا.

كان في المشهد شيء يشبه المصالحة.. موسيقى قادمة من منطقة تُختزل كثيرًا في أخبار الحرب، تقف بهدوء لتقول إن هناك جانبًا آخر من الحكاية، بصوت فيروز.

عندما اقتربت النهاية، لم يحدث انهيار درامي. لم تكن هناك دموع معلنة على الخشبة، ولا خطاب يختتم الحفلة.. انتهت الأغنية الأخيرة كما تنتهي صلاة طويلة، بانحناءة خفيفة وتصفيق امتد أكثر مما ينبغي، كأن الجمهور يحاول تأخير لحظة انطفاء الضوء، ثم انسحبت فيروز بهدوئها نفسه، تاركة خلفها قاعة ممتلئة بشيء غير مرئي، شيء يشبه الفراغ حين يكون ممتلئًا بالمعنى.

في صباح اليوم التالي، عادت أمستردام إلى إيقاعها الطبيعي، وعاد المسرح ليستعد لعرض جديد ضمن برنامج المهرجان، لكن تلك الليلة بقيت معلّقة في ذاكرة من حضروها باعتبارها أكثر من حفلة.

كانت إعلانًا غير مكتوب بأن عصرًا يقترب من نهايته، وأن الصوت الذي شكّل وجدان أجيال يمكنه، حتى في آخر جولاته الأوروبية الكبيرة، أن يملأ مسرحًا أوروبيًا بالكامل، لا بدافع الفضول، بل بدافع الحب.. لم تكن المسألة بيع تذاكر في بلد أوروبي، بل قدرة موسيقى عربية على أن تقف في قلب أوروبا وتفرض لحظة صمت عميق، كأن العالم كله توقف قليلًا ليصغي، ثم أكمل طريقه وهو يعرف أن شيئًا نادرًا قد مر من هنا بصوت فيروز.









×

Be the first to know

Download

The SceneNow App
×