محمد عبد الوهاب.. الموسيقار الذي سبق زمانه وأثّر في الجيل الحالي
في القاهرة القديمة، ظهر صوت شاب مختلف.. ليس فقط في جماله، ولكن في طريقة تفكيره عن الموسيقى نفسها. هذا الشاب هو محمد عبد الوهاب.
في القاهرة القديمة، في وقت كانت فيه القهوة والمسرح والسينما لا تزال تتشكّل، ظهر محمد عبد الوهاب كاستثناء. لم يكن مختلفًا لأن صوته أجمل، بل لأن نظرته إلى الموسيقى أعمق.
لم يرَ عبد الوهاب الأغنية كفعل غنائي ينتهي مع آخر نغمة، بل كفكرة تُبنى. كـ مشهد له زمنه وإيقاعه، له بداية تتقدّم، ووسط يتشكّل، ونهاية تترك أثرًا. موسيقى أقرب إلى السينما منها إلى الطرب كما كان يُقدَّم آنذاك.
غنّى عبد الوهاب، لكن الأهم أنه فكّر. فكّر في اللحن كتركيب لا كحالة، وفي المقام كلغة حيّة قابلة للتطوّر من دون أن تفقد جوهرها. استمع مبكرًا إلى الموسيقى الغربية، واشتغل على التسجيل، وواجه نفسه بسؤال مباشر: كيف يعمل الهارموني هناك؟ وهل يمكن أن يحدث هنا من غير أن نفقد روحنا؟
حين أدخل آلات مثل الساكسفون أو الجيتار إلى الأغنية العربية، لم يكن ذلك استعراضًا ولا استعارة سطحية. كانت محاولة لإعادة تعريف الآلة داخل السياق الشرقي. لم تعد الآلة غريبة، بل تعلّمت أن تتكلّم مقامًا. فجأة صار الساكسفون يبدو وكأنه جزء من المدينة، لا صوتًا وافدًا عليها. هذه الخطوة وحدها فتحت بابًا واسعًا أمام الأغنية العربية لتصبح عالمية من دون أن تتخلّى عن لهجتها.
في زمن سيطر فيه الارتجال والأداء اللحظي، اختار عبد الوهاب الكتابة. نوتة واضحة، توزيع محسوب، أوركسترا لها شكل ثابت. الموسيقى لم تعد لحظة عابرة، بل نصًا يمكن إعادة قراءته وتفسيره. ولهذا بقيت أعماله قادرة على التحوّل وإعادة التوزيع من دون أن تنهار.
تأثير السينما على موسيقاه لا يحتاج إلى شرح. اللحن لا يسير في خط مستقيم، بل يتنفّس. يتصاعد، يهدأ، ثم ينفجر شعوريًا. الاستماع يتحوّل إلى دخول مشهد، لا مجرّد متابعة صوت. وهذا ما منح أغانيه عمرًا أطول، لأنها تُحسّ بقدر ما تُسمع.
-4944a54b-d0d7-4762-99ec-7c82ca98c418.png)
تجربة "إنت عمري" مع أم كلثوم تختصر هذا التحوّل. لم يكن اللقاء احتفالًا بـ إسمين كبيرين، بل مواجهة حقيقية بين الطرب الكلاسيكي وفكرة التحديث. مقدمة هادئة، جُمل طويلة، وحوار متوازن بين الصوت والآلات. الأغنية لا تفرض نفسها، بل تتقدّم بثقة، ولهذا تحوّلت إلى مرجع حيّ لا يُستنزف.
بقاء موسيقى عبد الوهاب حتى اليوم ليس حنينًا للماضي. أعماله مكتوبة بإحكام يسمح لها بأن تعيش في سياقات مختلفة: أوركسترالية، إلكترونية، بصرية، وحتى في التوظيف الحديث كمواد خام. هي موسيقى تعرف كيف تواصل حياتها خارج زمنها.
أثره حاضر في موسيقى اليوم بوضوح. المنتجون يتعاملون مع ألحانه كـ مساحات مفتوحة، والمطربون يستلهمون النفس الطويل والدراما، بينما يراه الأكاديميون نقطة انتقال أساسية بين الموسيقى الشرقية التقليدية وصيغ التأليف الحديثة.
هل كان عبد الوهاب “أب” الموسيقى العربية الحديثة؟ ربما لا وحده، فالتاريخ لا يُكتب باسم واحد. لكنه بالتأكيد كان نقطة تحوّل. قدّم أدوات جديدة، وفتح أفقًا مختلفًا، وعلّم الموسيقى العربية كيف تتحرّك من دون أن تنفصل عن نفسها.
أهمية قصته اليوم أنها تطرح سؤالًا ما زال قائمًا: هل التطوير خيانة؟ تجربة عبد الوهاب تقول العكس. يمكن للهوية أن تبقى، وفي الوقت نفسه تتّسع. هو لم يغيّر الموسيقى… بل منحها مساحة أوسع للتنفّس. والجسر الذي بناه، لا يزال يُستخدم حتى الآن.




















